الشيخ محمد هادي معرفة

255

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

ببعض ، إذ لا يحسن أن يرتبط تصرّف الإله في خلقه وأحكامه بعضها ببعض ، مع اختلاف العلل والأسباب ، كتصرّف الملوك والحكّام والمفتين وتصرّف الإنسان نفسه بأمور متوافقة ومتخالفة ومتضادّة . وليس لأحد أن يطلب ربط بعض تلك التصرّفات مع بعض ، مع اختلافها في نفسها واختلاف أوقاتها . وعاكسه الشيخ وليّ اللّه محمّد بن‌أحمد الملويّ المنفلوطي ، قائلًا : وقد وَهَم من قال : لا يطلب للآي الكريمة مناسبة ، لأنّها على حسب الوقائع المتفرّقة . وفصل الخطاب أنّها على حسب الوقائع تنزيلًا ، وعلى حسب الحكمة ترتيبا ، فالمُصحف كالصُحف الكريمة على وفق ما في الكتاب المكنون ، مرتّبة سوره كلّها وآياته بالتوقيف . « 1 » قال الإمام بدرالدين الزركشي : وهذا الذي ذكره الشيخ وليّ اللّه مبنيّ على أنّ ترتيب السوَر توقيفي . ثمّ رجّح ذلك وأخذ في بيان التناسب فيما بين عديد من السوَر . قال : وإذا اعتبرت افتتاح كلّ سورة وجدته في غاية المناسبة لما ختم به السورة قبلها . ثمّ هو يخفى تارةً ويظهر أخرى ، كافتتاح سورة الأنعام بالحمد ، فإنّه مناسب لختام سورة المائدة من فصل القضاء كما قال تعالى : « وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ » . « 2 » وكافتتاح سورة فاطر بالحمد أيضا ، فإنّه مناسب لختام ما قبلها « وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ كَما فُعِلَ بِأَشْياعِهِمْ مِنْ قَبْلُ » ، « 3 » كما قال تعالى : « فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ » . « 4 » وكافتتاح سورة الحديد بالتسبيح ، فإنّه مناسب لختام سورة الواقعة من الأمر به . وكافتتاح سورة البقرة بقوله : « ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ » « 5 » إشارة إلى قوله : « اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ » « 6 » في سورة الحمد ، كأنّهم لمّا سألوا الهداية ، قيل لهم : ذلك هو الكتاب . وتأمّل ارتباط سورة « لِإِيلافِ قُرَيْشٍ » بسورة الفيل ، حتّى قال الأخفش : اتّصالها بها

--> ( 1 ) - البرهان للزركشي ، ج 1 ، ص 37 ؛ والإتقان ، ج 3 ، ص 323 ؛ ونظم الدرر للبقاعي ، ج 1 ، ص 8 . ( 2 ) - الزمر 75 : 39 . ( 3 ) - سبأ 54 : 34 . ( 4 ) - الأنعام 45 : 6 . ( 5 ) - البقرة 2 : 2 . ( 6 ) - الفاتحة 6 : 1 .